من هي هيباتيا
تُعد هيباتيا امرأةً نادرة المثال في تاريخ البشرية، إذ جمعت بين الأنوثة والجمال من جهة، وقوة العقل وشدة الذكاء من جهة أخرى. ولم يكن جمالها محصورًا في حضورها اللافت أو مظهرها الخارجي المتّسم بالرقي والأنوثة، بل تجاوز ذلك ليشمل روحها النقية وعقلها المتقد، فكانت من أبرز دعاة السلام والحكمة في عصرها.
إن جمال هيباتيا الحقيقي اكتمل بوعيها العميق واتساع معارفها، حيث لم تقتصر مكانتها على كونها امرأة جميلة، بل برزت كواحدة من أعظم العقول في زمانها. فقد كانت أول عالمة رياضيات في تاريخ البشر، كما تألقت في علم الفلك والفلسفة، وكرّست حياتها للبحث والمعرفة.
وقد قادت المدرسة الأفلاطونية الجديدة في الإسكندرية، فكانت مثالًا للفيلسوفة العالمة التي جمعت بين الأخلاق الرفيعة والالتزام العلمي. ولم يكن عقلها منشغلًا إلا بالعلم والفلسفة، ما جعلها رمزًا خالدًا للعقل النسوي المتحرر وقيمة المعرفة في الحضارة الإنسانية.
![]() |
| هيباتيا |
كانت هيباتيا مثالًا فريدًا لشدة الأنوثة والجمال مقرونين بذكاءٍ فائق، حتى إن عددًا كبيرًا من تلاميذها وقعوا في حبها وتقدّموا لطلب يدها للزواج، لكنها اختارت ألا تتزوج قط، مفضّلةً تكريس حياتها للعلم والفلسفة.
عُرفت هيباتيا بأنها من أبرز دعاة السلام، وقد عاشت في عصرٍ مضطرب ساد فيه التعصب الديني والصراع العنيف بين الوثنيين والمسيحيين واليهود. وفي خضم هذا المناخ المشحون بالكراهية، تحوّلت أفكارها الحرة ومكانتها العلمية إلى سبب مباشر في استهدافها.
ولم تلبث أن وقعت ضحية للتكفير والتحريض، حيث قام حشد من أتباع الكنيسة بالهجوم عليها والتخلص منها بطريقة وحشية، لتنتهي حياتها نهاية مأساوية لا تزال تثير الجدل حتى اليوم. تعرّف على القصة الكاملة لهيباتيا وسياق مقتلها في هذا المقال.
ملخص قصة هيباتيا
وقعت هذه القصة الحقيقية ما بين القرنين الثالث والرابع الميلاديين في مدينة الإسكندرية المصرية، حين كانت مصر ولايةً تابعة للإمبراطورية الرومانية. وقد تزامن ذلك مع مرحلة سعت فيها الكنيسة إلى فرض سيطرتها على الفكر السائد، ومحاولة إقصاء كل ما يخالف عقائدها الدينية والفلسفية.
في هذا السياق التاريخي ظهرت فتاة تُدعى هيباتيا، وهو اسم مشتق من كلمة هيباتوس، ويعني «العالية» أو «ذات المقام الرفيع»، وهو اسم عكس مكانتها العلمية والفكرية لاحقًا. تنحدر هيباتيا من أصول يونانية، فوالدها هو ثيون الإسكندري، الفيلسوف وعالم الرياضيات، والأمين الأخير لمكتبة الإسكندرية الشهيرة.
لا توجد معلومات دقيقة تؤكد تاريخ ميلاد هيباتيا، غير أن دراسات حديثة ترجّح أنها وُلدت عام 370 ميلاديًا في مدينة الإسكندرية. وقد كان لوالدها دور محوري في تكوينها العلمي، إذ يُعد من أبرز فلاسفة القرن الرابع ورئيس جامعة الإسكندرية آنذاك، وقد تولّى تعليمها العلوم والرياضيات والفلسفة، حتى فاقت أستاذها وأباها علمًا ومكانة.
وعندما بلغت هيباتيا سن العشرين، أرسلها والدها إلى أثينا وروما لتلقي العلم، حيث درست مختلف التيارات الفكرية والفلسفية. وهناك تأثرت بـالأفلاطونية المحدثة، وتبنّت النهج الرياضي الذي كانت تعتمده أكاديمية أفلاطون في أثينا، وهو ما شكّل الأساس الفلسفي لرؤيتها العلمية لاحقًا.
عادت هيباتيا إلى الإسكندرية محمّلة بعلوم ومعارف أهلتها للتدريس والتعليم، فكانت أول عالمة رياضيات في التاريخ، وعملت في مهنة التدريس، حيث قامت بتدريس فلسفة أفلاطون وأرسطو. كما برزت كعالمة فلك وفيلسوفة تتبنى الفكر الأفلاطوني المحدث، وتولّت رئاسة المدرسة الأفلاطونية الجديدة في الإسكندرية.
وقد وصفها المؤرخ الكنسي سقراط في كتابه «تاريخ الكنيسة» بأنها فاقت جميع الفلاسفة الذين عاصروها. كما حظيت محاضراتها بشعبية واسعة، إذ كان الطلاب يفدون إليها من أماكن بعيدة، لما عُرفت به من علم غزير وذكاء حاد وأخلاق رفيعة، حتى غدت هيباتيا رمزًا خالدًا للحكمة والفضيلة في التاريخ الإنساني.
كيف قتلت هيباتيا
كانت طريقة مقتل هيباتيا مأساوية بكل المقاييس، إذ عاشت في مصر الرومانية خلال فترة اتسمت بالتعصب الديني والصراع الحاد بين الوثنيين واليهود والمسيحيين. وكانت هيباتيا تعتنق الوثنية، وتتأثر بأفكار فيثاغورس، كما تتبنى الاتجاه الأفلاطوني في الفلسفة، الأمر الذي جعلها تواجه رفضًا شديدًا من قبل الكنيسة المسيحية، خاصة أن الفلاسفة المسيحيين آنذاك كانوا يرفضون بشدة التصورات الأفلاطونية المتعلقة بطبيعة الإله والحياة الأخرى.
ومع تزايد التفاف الطبقة المثقفة والجمهور حول هيباتيا، بدأ نفوذها العلمي والفكري يسبب حرجًا بالغًا للكنيسة في الإسكندرية، التي رأت في انتشار أفكارها تهديدًا مباشرًا لسلطتها الدينية والفكرية.
كان كيرلس الأول، أسقف الإسكندرية في ذلك الوقت، يدرك تمامًا خطورة تأثير هيباتيا، لا سيما أنها كانت تحظى بصداقة وثيقة وقبول واسع لدى أوريستوس، والي مدينة الإسكندرية، الذي كان يُعد المنافس السياسي الأبرز لكيرلس، والعائق الأساسي أمام السيطرة الكاملة للمسيحيين على المدينة.
ولم يقتصر الأمر على الصداقة السياسية فحسب، بل كان أوريستوس أيضًا أحد تلاميذ هيباتيا، ويكنّ لها احترامًا وتقديرًا بالغين، وهو ما يفسر حجم الحقد والكراهية التي نشأت تجاهها في نفس الأسقف كيرلس الأول.
وفي أحد الأيام، اندلع خلاف عنيف بين اليهود والمسيحيين في الإسكندرية، انتهى بقرار المسيحيين طرد اليهود من المدينة، ما أدى إلى حالة من الفوضى والاضطرابات. على إثر ذلك، قام الوالي أوريستوس برفع تقرير إلى الإمبراطور يصف فيه أعمال الشغب التي قام بها المسيحيون، الأمر الذي أثار غضبهم الشديد، فتعرض للإهانة، بل ورُشق بالحجارة أثناء مروره في أحد شوارع المدينة.
وزاد من غضب كيرلس الأول إقبال بعض التلاميذ المسيحيين على حضور الدروس التي كانت تقدمها هيباتيا، وهو ما اعتبره كارثة دينية حقيقية. فمن وجهة نظره، كانت هيباتيا وثنية تجاهر بمعتقداتها، وخشي أن يؤدي تأثر التلاميذ بها إلى عودتهم إلى الوثنية بعد اعتناقهم المسيحية، رغم أن هيباتيا كانت تركز في دروسها على الجانب العلمي والفلسفي دون الخوض في العقائد الدينية، وكانت في الأساس من دعاة التعايش السلمي.
أما من الناحية السياسية، فقد كانت هيباتيا مقرّبة من الوالي أوريستوس، الخصم اللدود لكيرلس الأول، ما جعل التخلص منها يمثل حلًا مثاليًا للأسقف، يحقق له مكسبًا دينيًا وسياسيًا في آنٍ واحد.
وبذرائع دينية تخفي وراءها أهدافًا سياسية واضحة، قرر كيرلس الأول التخلص من هيباتيا، فقام بتحشيد جمع من أتباع الكنيسة وألقى فيهم خطبة شهيرة، عُرفت آنذاك بشدة لهجتها التحريضية ضد الفلاسفة، واتهامهم بالكفر، مدّعيًا أن الفلسفة تهدف إلى زعزعة إيمان المؤمنين والتشكيك في دينهم. كما حرّضهم على قتل هيباتيا، متهمًا إياها بالإلحاد وممارسة السحر والشعوذة.
توجه الحشد إلى مكتبة الإسكندرية، حيث كانت هيباتيا قد ألقت آخر محاضراتها، وهناك أُلقي القبض عليها. ولم تمضِ لحظات حتى بدأ تنفيذ واحدة من أبشع جرائم الاغتيال في التاريخ.
فقد تعقبها جمع من المتعصبين أثناء عودتها إلى منزلها، وقاموا بسحبها من شعرها من فوق عربتها، وطرحها أرضًا، ثم نزعوا ملابسها وجرّوها على الأرض بحبل لُفّ حول يديها حتى تسلخ جلدها. وبعد ذلك، ألقوا بجسدها في كومة من الخشب وأشعلوا فيها النيران، لتنتهي حياة هيباتيا نهاية مأساوية عام 415 ميلاديًا، وتبقى قصتها شاهدًا على صراع العقل مع التعصب في التاريخ الإنساني.
هيباتيا رمز للفضيلة المسيحية !
في العصور الوسطى، وبعد أن قام القديس ألبرت الكبير والقديس توما الأكويني بمحاولة التوفيق بين المسيحية والفلسفة العقلية، أُعيد النظر في شخصية هيباتيا، فجرى اعتبارها رمزًا للفضيلة المسيحية، على الرغم من وثنيتها. ولاحقًا أُطلق عليها لقب «شهيدة التنوير»، وأصبحت رمزًا للمعارضة الكاثوليكية خلال عصر التنوير، بوصفها مثالًا للفيلسوف الذي دفع حياته ثمنًا لحرية العقل.
وفي القرن العشرين، اكتسبت هيباتيا بُعدًا رمزيًا جديدًا، إذ جرى النظر إليها بوصفها رمزًا لحقوق المرأة، وللقدرة النسوية على اقتحام مجالات العلم والفلسفة في مجتمعات ذكورية محافظة.
بل إن بعض مؤرخي التاريخ المسيحي ذهبوا إلى افتراض أن هيباتيا قد تكون هي نفسها القديسة كاترين الإسكندرانية، التي شُيّدت كنيسة تحمل اسمها في مدينة الإسكندرية. كما ألهمت شخصية هيباتيا العديد من الأعمال الأدبية والروائية والسينمائية، التي سعت إلى تخليد اسمها بوصفها رمزًا خالدًا لصراع العقل مع التعصب.
أقوال هيباتيا
نختتم هذه المقالة بمجموعة من اقتباسات هيباتيا التي تعكس عمق فكرها وجرأتها الفلسفية، وتُبرز موقفها النقدي من الخرافة والتعصب، وإيمانها الراسخ بالعقل والحقيقة:
«إن جميع الأديان العقائدية والرسمية خادعة، ولا ينبغي قبولها مطلقًا من قبل الأشخاص الذين يحترمون عقولهم.»
«في الواقع، يقاتل الناس من أجل الخرافات بالسرعة نفسها التي يقاتلون بها من أجل الحقائق الحيّة، وأحيانًا أكثر؛ لأن الخرافات غير ملموسة ولا يمكن دحضها، أما الحقيقة فهي قابلة للفهم والتغيير.»
«الحياة حالة مستمرة من التجلّي، وكلما سافرنا في دروب المعرفة اتسعت الحقيقة التي نستطيع فهمها. ولكي نفهم ما يظهر أمامنا على نحو أفضل، ينبغي أن نفهم ما يكمن خلفه.»
«يجب أن تُدرَس الخرافات بوصفها خرافات، والأساطير كأساطير، والمعجزات كأوهام شعرية. إن تعليم الخرافات على أنها حقائق أمر فظيع؛ لأن عقل الطفل يتقبلها بسهولة، ولا يتحرر منها لاحقًا إلا عبر الألم، وربما المأساة.»
تمثل هذه الأقوال جزءًا من تراث هيباتيا الفكري، وتعكس فلسفتها القائمة على تحرير العقل من الوهم، والدعوة إلى التفكير النقدي، وهو ما جعلها رمزًا خالدًا لصراع العقل مع التعصب في تاريخ الفلسفة الإنسانية.
الخاتمة:
نعم، قُتلت هيباتيا بطريقة بشعة وقاسية، غير أن التاريخ خلّد اسمها بوصفها شهيدة للتنوير والعلم والفكر الحر. لقد تحولت قصتها إلى رمز خالد لصراعٍ معقّد، جمع بين الوثنية والدين من جهة، وبين الفلسفة والفكر المسيحي من جهة أخرى، في زمنٍ كان فيه العقل الحر مهددًا بالإقصاء والعنف.
ولا تقتصر مأساة مقتل هيباتيا على بعدها الديني أو الفكري فحسب، بل تكشف أيضًا عن استغلال الدين في الصراعات السياسية، وكيف يمكن للسلطة العقائدية حين تمتزج بالمصالح السياسية أن تتحول إلى أداة قمعية ضد كل فكر مستقل. وهكذا بقيت هيباتيا شاهدًا تاريخيًا على ثمن التمسك بالعقل، ودعوة مفتوحة للدفاع عن حرية الفكر في مواجهة التعصب.
